آخر تحديث :الثلاثاء 20 يناير 2026 - الساعة:00:24:37
الحوار الجنوبي–الجنوبي: بوابة الخلاص وبناء المستقبل المشترك
(كتب د. عبدالله عبدالصمد)

يُعدّ الحوار ظاهرة إنسانية وحضارية راقية، ووسيلة أساسية لحل النزاعات وبناء التفاهمات، وهو في الحالة الجنوبية ليس ترفًا سياسيًا ولا خيارًا ثانويًا، بل ضرورة تاريخية تفرضها تعقيدات الواقع، وتحديات المرحلة، وتطلعات شعبٍ أنهكته الصراعات والانقسامات. إن الدخول في حوار جنوبي–جنوبي شامل يمثّل فرصة حقيقية لكل أبناء الجنوب، بمختلف أطيافهم السياسية، ومكوناتهم الاجتماعية، وتوجهاتهم الفكرية، من أجل صياغة رؤية واحدة تعبّر عن الإرادة الجمعية، لا عن مصالح ضيقة أو حسابات مرحلية.
لقد شكّلت رعاية المملكة العربية السعودية لهذا التوجه عامل طمأنة مهم، ورسالة واضحة بأن الأشقاء في الرياض يقفون مع ما يتوافق عليه أبناء الجنوب أنفسهم، أيًا كان السقف السياسي الذي سيخرج به الحوار. فالموقف السعودي المعلن يقوم على دعم تطلعات أبناء الجنوب، ومساندة خيارهم الذي يتفقون عليه عبر الحوار والتشاور، بعيدًا عن الإملاءات أو الفرض القسري للحلول. وهذا بحد ذاته يشكّل فرصة تاريخية ينبغي عدم إهدارها.
اليوم، كما يُقال، الخيارات مفتوحة، لكن هذه الخيارات لا يمكن أن تتحول إلى واقع دون تهيئة الأرضية الداخلية المناسبة. وقبل أي نتائج أو مخرجات، لا بد من الاقتناع الصادق بأن الجنوب لا يمكن أن يُدار بعقلية الإقصاء، ولا أن يُختزل في حزب، أو مكون، أو شللية سياسية، أو منطقة جغرافية تدّعي الوصاية على مصير الآخرين. فالجنوب ملك لجميع أبنائه، وتاريخه نُسج بتضحيات مشتركة، ومستقبله لا يُبنى إلا بسواعد الجميع.
إن أي حوار حقيقي لا بد أن يقوم على أسس واضحة، في مقدمتها الثقة المتبادلة، والاعتراف بالآخر، واحترام التنوع، والتفهم العميق للهواجس القديمة التي خلّفتها تجارب سابقة مليئة بالصراعات وسوء الفهم. فالهروب من الماضي أو تجاهله لا يصنع مستقبلًا، وإنما مواجهته بشجاعة، وفتح صفحة جديدة قائمة على المصارحة والإنصاف، هو الطريق الوحيد لتجاوز آثاره السلبية.
الحوار الجنوبي–الجنوبي المطلوب اليوم ليس لقاءً شكليًا ولا منصة لتبادل الخطب، بل عملية سياسية ومجتمعية عميقة، تتطلب استعدادًا للتنازل المتبادل من أجل المصلحة العليا، وتغليب منطق الشراكة على منطق الغلبة. كما يتطلب شجاعة في الاعتراف بالأخطاء، والقبول بمبدأ أن الاختلاف في الرأي لا يعني العداء، وأن التنوع مصدر قوة لا سبب ضعف.
إن الجنوب يقف اليوم أمام لحظة مفصلية، إما أن تُستثمر لبناء رؤية جنوبية واحدة تعبّر عن تطلعات الناس في الأمن، والكرامة، والعدالة، والتنمية، أو أن تُهدر في صراعات داخلية تعيد إنتاج الأزمات بشكل أكثر تعقيدًا. وهنا تكمن المسؤولية التاريخية على عاتق النخب السياسية، والقيادات الاجتماعية، والمثقفين، والإعلاميين، في الدفع باتجاه حوار مسؤول، جامع، وغير مشروط.
في الختام، يمكن القول إن الحوار الجنوبي–الجنوبي، برعاية إقليمية داعمة كالمملكة العربية السعودية، وبارادة جنوبية صادقة، هو الطريق الأقصر والأكثر أمانًا نحو مستقبل مستقر وعادل. مستقبل لا يُقصي أحدًا، ولا يحتكر القرار، ولا يسمح بأن يتحكم مصير الجنوب فئة أو منطقة، بل يقوم على الشراكة الحقيقية، والتوافق الوطني، والإيمان بأن الجنوب لا يُبنى إلا بجميع أبنائه، ومن أجل جميع أبنائه

 


#

شارك برأيك