سلكت القضية الجنوبية منذ غزو الشمال للجنوب عام 1994 مسارات شتّى، شملت أشكالاً من العصيان المدني، والحراك السلمي، وتشكّل تنظيمات سياسية. وكانت حاضرة في الحوار الشامل في صنعاء، ولكن وفق مشيئة النخب السياسية الشمالية التي أرادت جنوبيين ومخرجات تُبقيهم تحت ربقة الحكم المركزي، ولو بتخريجات بدت للبعض براقة كالفيدرالية.
حتى ارتقت القضية الجنوبية بعد تحرير عدن في يوليو 2015 إلى مرحلة نوعية، بقيام المجلس الانتقالي الجنوبي، وصولاً إلى الإعلان الدستوري في ديسمبر 2025. وفي معترك احداث ديسمبر 2025 حدث الشرخ الأكبر بين المجلس الانتقالي والمملكة العربية السعودية، قائدة تحالف دعم الشرعية في اليمن، وتسبّب ذلك الشرخ في اخراج المجلس عن الشراكة، ووضعه في إطار المساءلة القانونية تحت سقف الشرعية. وهذا موضوع ليس هنا مجال مناقشته.
أن المجلس الانتقالي الجنوبي، باعتباره أكبر تجمع سياسي حاضن لقضية تقرير مصير الجنوب، يُفترض أن تُمنح قياداته، على مستوى كامل الجنوب، المساحة الكافية والضرورية لإعادة تنظيم هياكله، ومراجعة أجندته السياسية السلمية لاستعادة الدولة الجنوبية.
وبالمناسبة، فإن كل الأحزاب والحركات السياسية المتواجدة اليوم على الساحة لا تمتلك مشروعية الممارسة السياسية، لأن غالبيتها تسكن خارج الوطن وفي الفضاء الافتراضي. وأقدم، على سبيل المثال لا الحصر، المؤتمر الشعبي العام، الحزب الأكبر في زمن الرئيس الشهيد علي عبد الله صالح، الذي تشظّى إلى أحزاب عدة، منها حزب صنعاء، وجماعة القاهرة، وجماعة الشرعية، وجماعات أخرى، وهو لم يعقد مؤتمراً واحداً منذ انطلاق مشروع استعادة الدولة بقيادة الرئيس عبد ربه منصور هادي. فلا شرعية للقائمة الطويلة من الأحزاب التي نسمع عنها اليوم، عدى البعض اليسير، وعلى رأسها التجمع اليمني للإصلاح، الفرع اليمني لتنظيم الإخوان المسلمين.
وبالعودة إلى القضية الجنوبية، فإن الجنوبيين اليوم وهم يتطلعون لحوار الرياض، يتمسكون بوعد سمو الأمير خالد، الذي قال في دعوته للحوار الجنوبي، "إن قضية الجنوب أصبح لها مسار حقيقي ترعاه المملكة، ويؤيده المجتمع الدولي”. وهذا، لَعَمري، إنجاز مهم حققته القضية الجنوبية على طريق تحقيق هدف الاستقلال النبيل.
وكنتُ من أوائل المرحّبين بالدعوة السعودية للحوار الجنوبي، وكلنا أمل أن يتمخض عن نتائج يرتضيها أبناء الجنوب قاطبة. ولهذا جاءت الدعوات المتزايدة في كل مديريات الجنوب بتركيز خطاب الساحات والحراك السياسي على مطالب الاستقلال وبالوسائل السلمية.
فهل يكون حوار الرياض حواراً جنوبياً صادقاً لتحديد مستقبل العيش المشترك في دولة جنوبية اتحادية، يكون لكل محافظة فيها حكمها الذاتي، وبرلمانها، وحكومتها، وأمنها، وتشترك مع مكونات الاتحاد في الحكومة الاتحادية التي تهتم بقضايا الدفاع والأمن والخارجية، والقائمة على مبدأ الشراكة المتساوية دون إقصاء مناطقي؟
وهذا لا يتناقض مع مخرجات حوار صنعاء، على افتراض أن هناك بعض الجنوبيين ممن تشابكت مصالحهم مع الأشقاء في الشمال خلال سنوات الوحدة القسرية، يرغبون في بقاء الجنوب ضمن رؤية صنعاء في ٢٠١٤، والتي عمدوا فيها إلى تشطير جنوبهم العزيز إلى إقليمين. ومع هذا فان الرؤية الأولى لا تُلغي الثانية، إلا في جزئية الاستقلال الجنوبي الناجز، وهو مطلب كل الجنوبيين على اختلاف مشاربهم.
وبإمكان الإدارة الحكيمة للحوار الجنوبي في الرياض أن تضبط إيقاع الشارع الجنوبي المحتقن، من خلال التأكيد على القبول بسلمية مطالب الشارع الجنوبي، باعتباره حق كفلته كل الدساتير والشرائع، لأن أي محاولة لاستخدام القبضة الأمنية ضد النضال السلمي ستُغيّر المسار، وستدفع الجنوبيين للبحث عن سبل خبرُوها في الماضي، ولم تختبرها شعوب المنطقة قبلهم، في تطوير أشكال الكفاح لنيل الاستقلال.
رسائل الرياض مهمة، ورسائل الشارع الجنوبي هي الأهم. والجميع يرتضي حكم المملكة، وقضيتنا أمانة عند مليكٍ عادلٍ مقتدر لا يرضى بالظلم. ولهذا نرفع الصوت عالياً:
سلمية… سلمية… سلمية، على طريق الاستقلال الجنوبي.










