إمارات وسلطنات ومشيخات جنوب الجزيرة العربية، هي مكون جغرافي وهوية قديمة متماسكة وواحدة، ضاربة جذورها بعمق التاريخ الإنساني لأكثر من ثلاثة ألف سنة.
ووردت تسمية الجنوب العربي في طي عدة كتب قديمة كسفر حزيقيال بـ"العهد القديم"، وصولًا إلى كتاب ابن خلدون، إلى بعض كتابات المؤرخين وأبرزهم المستشرقين الغربيين، ولعل الحاجة تستدعي اليوم أكثر من أي وقت مضى لأن يبذل الباحثين جهودًا استكشافية وبحثية وترجمة كتب المؤرخين والمستشرقين الاجانب، والعلماء العرب وغيرهم لتأصيل مفهوم واسم وكيان الجنوب العربي وشعبه، علميًا وجذور المسمى في التراث التاريخي العربي والعالمي.
كان يطلق على منطقة جنوب الجزيرة العربية قديمًا بـ"العربية السعيدة" و ”جنوب الجزيرة العربية’’ و "جنوب العرب" و"الجنوب العربي"، وبلاد "مملكة حضرموت"، وتشمل جغرافية هذه التسميات الأرض الممتدة من باب المندب وعدن غربًا حتى المهرة وظفار وميناء سمهرم بعُمان حاليًا شرقًا.
ولا وجود لمسمى دولة باسم "اليمن" تاريخيًا ولكنه كان اسمًا جهويًا وتعريفًا جغرافيًا، ومعناها لغويًا هي الجنوب، والجنوب يضم عدة دول وشعوب تقع جنوب شبه الجزيرة العربية، "الجنوبيون، العمانيون، الحجازيون، التهاميون...الخ)، كذلك فإن الشام مفهوم جهوي ويعني لغويًا "الشمال" وتضم دولًا عدة (الاردن، سوريا، فلسطين، لبنان)، وهنا تسقط حذلقات ومغالطات كُتاب أنظمة حكام صنعاء بفرض رؤية سياسية استحواذية بغير موضعها، على مفهوم جغرافي جهوي، ولا يسند حجتهم للهيمنة على كل منطقة جنوب الجزيرة العربية التي هي اصلًا اعرق واقدم ظهورًا تاريخيًا وحضاريًا منهم.
ولأول مرة في التاريخ برمته يظهر مسمى اليمن مقروناً باسم دولة هو في عام (1926م)، عندما حول حاكم دولة الزيدية في صنعاء الامام يحي محمد حميد الدين، اسم دولته ومملكته التي حكمها منذ العام (1918م) من مسمى (المملكة المتوكلية الهاشمية)، إلى مسمى (المملكة المتوكلية اليمنية)، بينما دولة الجنوب العربي بمكونها الاجتماعي وعناوينها السياسية كانت سائدة في الواقع قبل ظهور دولة المملكة المتوكلية بقرون طويلة.
ان اتحاد الجنوب العربي، هو اسم لدولة إتحاد فيدرالي سياسي فعلي وتاريخي ضم 12 إمارة وسلطنة ومشيخة في بلاد الجنوب العربي واراضيها التاريخية الطبيعية على امتداد جنوب جزيرة العرب، وشمل في الخمسينيات من القرن الماضي، محميات الجنوب العربي الغربية و"الوسطى" (أو محمية عدن الغربية) في مرحلته الاولى، وكانت الاستعدادات جارية الترتيب الرسمية لانضمام محمية الجنوب العربي الغربية إليه في أواخر الستينيات من القرن الماضي، رغم وجود الوحدة الاجتماعية والعرقية والجغرافية والثقافية والاقتصادية...الخ بين المحميتين ولم يبقِ إلا إعادة اللحمة السياسية التي انفكت بعد لحمة تاريخية أزلية، غير أن نشوب الاضطرابات السياسية والأمنية أخٓر استكمال البنية السياسية الواحدة لدولة اتحاد الجنوب العربي على كامل جغرافيتها إلى عام 1967م، ولكن بمسمى دخيل على هوية المنطقة الجنوبية.
رغم أن جغرافية وهوية الجنوب العربي من المهرة إلى عدن كانت واحدة ومتداخلة ومتجانسه في الدين والمذهب والثقافة والنسب والعادات والتقاليد والقيم...إلخ، وتاريخيًا لايوجد نهائيًا أية حدود فاصلة بين مناطق الجنوب العربي الغربية أو الشرقية والناس تتنقل بشكل طبيعي جدًا دون أي حواجز أو موانع فالجميع يحملون هوية الجنوب العربي الواحدة.
ومن مظاهر التماهي الواحد بالنظم والسيادة، نجد كتابة اسم السلطنة أو الإمارة على طوابع البريد وبجواره يكتب اسم "محمية الجنوب العربي"، أو "الجنوب العربي" أو "محمية عدن الشرقية أو الغربي"، كتأكيد على هوية وسيادة عامة وواحدة لكل اراضي الجنوب العربي.
فلا يوجد مايميز أو يفصل بين مناطق وبلدان محمية الجنوب العربي الشرقية أو الغربية، واهلها وناسها هم نسيج واحد - عظم دون مفصل- فيما بينهم البين بوحدة اجتماعية ووطنية تحمل هوية واحدة.
وقانونيـًا ورسميًا فقد تشكلت في الخمسينيات من القرن العشرين محمية عدن من:-
1) محمية عدن الغربية: وتضم 8 سلطنات وإمارتين و 7مشيخات.
2) محمية عدن الشرقية: وتضم سلطنات حضرموت.
في عام 1954م اعترف الوالي البريطاني على عدن توم ميكنبوثام خلال اجتماعه مع سلاطين ومشائخ الجنوب الغربي (المحميات) بهوية الجنوب العربي الواحدة، وأورد تعبير ومسمى "الجنوب العربي" في خطاب القاه أمام سلاطين وأمراء الجنوب، وتبنى أنذاك دعوات النخب الجنوبية والمثقفة والسياسيين من أبناء عدن أو من مناطق الجنوب الأخرى، ومن ثم حزب رابطة أبناء الجنوب العربي، وذلك لإعلان دولة إتحادية فيدرالية تضم محميات عدن الغربية والشرقية (من باب المندب حتى المهرة)، مع الإبقاء على مدينة عدن في إطار منظمة الكومنولث التي تضم الدول المتحالفة مع بريطاني.
وفي عام 1958م بدأت مفاوضات بين بريطانيا وعدد من زعماء سلطنات وامارات المحمية الغربية كمرحلة أولى (من عدن إلى شبوة) لإنشاء دولة اتحاد الجنوب العربي، وتمخضت المفاوضات والمشاورات في فبراير 1959م عن تأسيس الاتحاد الفيدرالي لدولة الجنوب العربي وتكون من:
- إمارة بيحان بشبوة.
- وإمارة الضالع.
- وسلطنة العواذل.
- وسلطنة الفضلي.
- وسلطنة يافع السفلى.
- ومشيخة العوالق العليا.
وفي سبتمبر 1959م، تم الأحتفاء بوضع حجر الأساس لعاصمة دولة الاتحاد في عدن واطلق عليها مدينة "الاتحاد" (مدينة الشعب حاليًا بمنطقة بئر احمد بعدن).
وتم تشكيل مجلس دولة الاتحاد بنسبة 8 اعضاء لكل سلطنة أو امارة، كما تم توقيع معاهدة الصداقة والحماية مع بريطانيا.
وانضمت لدولة اتحاد الجنوب العربي عقب ذلك كل من:
* مشيخة العقارب بعدن.
* سلطنة العوالق السفلى.
* ولاية دثينة.
* سلطنة الواحدي.
وتلى ذلك في شهر أكتوبر التحاق؛ سلطنة لحج بالركب وانضمت لدولة الاتحاد الفيدرالي لدولة الجنوب العربي.
وفي شهر يناير 1962م، انضمت ولاية عدن لدولة الاتحاد، وبإنضمامها تم وضع برنامج لتشكيل حكومة ومجلس وزراء لإدارة شؤون دولة الاتحاد
على أن تتواصل عملية انضمام بقية سلطنات الجنوب العربية والمحميات الشرقية تباعًا وقد أعد لذلك أحد الخبراء والمسؤولين البريطانيين مشروع الانضمام مكتوبًا (توجد نسخه منه في مكتبة مركز البحوث والدراسات بالرزميت بعدن)، ولعل من أبرز أسباب تأخير انضمام المحميات الشرقية لدولة اتحاد الجنوب العربي هو سلاطين حضرموت والمهرة، الذين تجاذبتهم مصالح وضغوط إقليمية، ونوازع شخصية لانتزاع ضمانات قبل الانضمام لدولة الاتحاد، فالاصل عند سلطنتي حضرموت، وسلطنة المهرة كان الموافقة والقبول على إعادة اللحمة السياسية للجنوب العربي الكبير والواحد، والدولة الاتحادية الفيدرالية، كونهم من دعاماتها ومكوناتها وهويتها الأصيلة، التي تمتد من عدن إلى المهرة بل إلى حدود ظفار.
وكان من المقرر بعد استكمال البنيان السياسي الفيدرالي والسيادي الكامل لدولة الجنوب العربي من عدن إلى المهرة، الحصول على الاعتراف الدولي ومن الأمم المتحدة ورفع علم الجنوب العربي فوق صاريتها بجنيف.
غير أن تسارع الأحداث السياسية والاضطرابات والصراعات الإقليمية والدولية التي شملت المنطقة كلها اخرت خطط انضمام محميات الجنوب العربي الشرقية لبقية المكون، وآخرت خطوات وإجراءات الاعتراف الدولي باتحاد الجنوب العربي، حتى نهاية نوفمبر 1967م، حتى أنجز الاستقلال الوطني والتحرر من السيطرة البريطانية، وتم الاعتراف بالدولة، ولكن بتسمية جديدة ودخيله على هويتها وارثها التاريخي، وجاءت التسمية الطارئة في إطار المزايدات والشطط الثوري القومي.
لقد عرفت عدن والجنوب العربي نظام حكم الدولة الوطنية قبل العام 1967م، وللتذكير فان رؤساء الوزارات في حكومة الجنوب العربي قبل العام 1967م هم على التوالي:
حسن علي بيومي (18 يناير، 1963 - 24 يونيو، 1963م)
زين عبداللطيف باهارون (9 يوليو، 1963 - 23 يناير، 1965م)
عبد القوي مكاوي (7 مارس، 1965 - 25 سبتمبر، 1965م)
علي مسعد البابكري (25 سبتمبر، 1965 - 30 أغسطس، 1966م)
صالح العوذلي (30 أغسطس، 1966 - 30 نوفمبر، 1967م).
بالإضافة إلى وزراء آخرون بارزون (ضمن الشخصيات القيادية في دولة الاتحاد):
الشيخ محمد بن فريد العولقي: وزير الخارجية.
السلطان محمد بن عيدروس: من يافع.
السلطان جعبل بن صالح العوذلي: من سلطنة العواذل.
الشريف حسين بن صالح الهبيلي: شريف بيحان.
الشيخ غالب الزنداني.
علمًا أن هناك حكومات محلية موجودة في كل سلطنة وإمارة على حدة، بالإضافة إلى الحكومة الاتحادية، وكان العديد من الوزراء في الحكومة الاتحادية من شيوخ السلاطين والأمراء.
عقب انجاز الاستقلال الوطني العظيم لكل الرقعة الجغرافية لدولة الجنوب العربي، تم إنهاء اسم وشكل الدولة الاتحادية، "اتحاد الجنوب العربي" الذي كان قائمًا قبل عام 1967م، وإطلاق تسمية جديدة ودخيلة ولأول مرة في تاريخ المنطقة، وذلك بفعل الشعارات العاطفية الملتهبة، والغليان الثوري القومي الذي كان يكتسح المنطقة العربية وقتذاك، وسميت دولة الاستقلال الجديدة بــ"جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية" تم لاحقًا ومع مطلع السبعينيات تم تغيير اسم الدولة إلى "جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية".
وشكلت أول حكومة وطنية جديدة بعد الاستقلال الوطني، برئاسة قحطان الشعبي.
* ونتيجة الاضطراب السياسي الذي ساد العالم وانهيار أحد اقطابه (الاتحاد السوفياتي)، ومع بقاء الشعارات الثورية القومية معشعشة في رؤوس بعض قيادات الدولة الجنوبية، اندفعت ثلة من قيادة الدولة الجنوبية بحماس ثوري، ومشاعر جياشة نحو اعلان الوحدة مع دولة قبلية متخلفة ونظام عصبوي، اعتقادًا بالتغير نحو الأفضل للشعبين مع دمج دولتين بكيان سياسي وجمهورية واحدة، غير أن هذا التوجه والهرولة غير المدروسة للاندماج الافتراضي مع دولة أخرى اثبت كارثية هذه الخطوة التي دفع شعب الجنوب العربي ثمنها باهضًا من الدم والثروة والقيم ومعاناة العيش وانعدام الأمن والاستقرار ومحاولات طمس الهوية والتهام السيادة...الخ، حيث تم تغيير تسمية الدولة الجنوبية إلى دولة مسخ أخرى حشرت فيها دولتين بجراب نتن، أطلق عليها اسم (الجمهورية اليمنية).
* ومع انتهاء بل وموت مشروع الوحدة بين دولة الجنوب العربي ودولة الجمهورية العربية اليمنية، الذي تجلى بالدموية والاغتيالات والاقصاء ثم بالحرب الغادرة التي شنت على الجنوب من قبل جحافل الغزو لعصابة نظام صنعاء في عام 1994م، ثم بحرب إجرامية أخرى شنتها قوى صنعاء الزيدية الظلامية الحوثعفاشية عام 2015م، والتي كسرت بإرادة وشجاعة أبناء الجنوب العربي، وأتاح ظروف جديدة لتأسيس مكون سياسي جامع يحمل قضية استعادة دولة الجنوب وهو المجلس الانتقالي الجنوبي.
أن أبناء الجنوب العربي اليوم أصبحوا أكثر ادركًا ووعيًا لقضيتهم باستعادة دولتهم الجنوبية الفيدرالية، ولم تعد الدعايات والزيف والتضليل والإعلام الكاذب يؤثر عليهم، فهم اليوم يقفون صفًا واحدًا في كل الساحات وميادين الاعتصامات لتحقيق هدف استعادة كامل سيادة الدولة المغدورة.
أن إعلان الاستقلال الثاني لدولة الجنوب واستعادة السيادة ينبغي أن ينجز باجراءات مدروسة ومتصاعدة، مادام الهدف الاخير أصبح واقع المنال بأيدينا وسيطرتنا على الأرض والمؤسسات المدنية والعسكرية، فلا ضير من الوصول إليه تدريجيًا بمراعاة الظروف والتحديات والمتطلبات الدولية.
وقد حذر الأكاديمي والصحفي المغربي الدكتور توفيق جازوليت في مقال اخير له من التسرع في إعلان الدولة الجنوبية قبل اكتمال شروطها.
وأوضح توفيق جازوليت (حسب رأيه)، أن الدولة ليست بيانًا يُقرأ، ولا علمًا يُرفع، بل كيان سياسي وقانوني واقتصادي يحتاج إلى ظروف ناضجة وضمانات حقيقية ليعيش ويستمر، فالإعلان عن الدولة ليس نقطة بداية بقدر ما هو نتيجة لمسار طويل من الإعداد الداخلي والإقليمي والدولي، وكلما كان هذا الإعداد أكثر نضجاً وواقعية، زادت فرص القبول والاعتراف، وتراجعت احتمالات العزلة أو الصدام.
وأعتقد انا أن رأي توفيق جازوليت، فيه الكثير من التبصر، رغم شعورنا أن وقتًا طويلًا قد مضى على نضالنا للحصول على الاستقلال واستعادة دولتنا.
وأرى أن التدرج لبلوغ هدف إعلان الدولة كاملة السيادة يمر عبر بوابة الحكم الذاتي لمدة لا تتجاوز العامين، وخلال هذان العامين يتم العمل على توفير الشروط المحلية والإقليمية والعالمية، وتثبيت الأمر الواقع، ومن ثم يتم اعلان الاستقلال الثاني واستعادة السيادة القانونية الدولية الكاملة على الدولة باعتراف أممي شرعي، أو في حالة توفر الشروط الموضوعية الإقليمية والدولية الآن فإن إعلان الدولة هو المنى والمطلب والامل دون تأخير أو تطويل، والأمر متروك لقيادتنا السياسية برئاسة الرئيس القائد عيدروس بن قاسم الزبيدي لما هو الافضل والانجح والآمن.
ان فجر الحرية يشرق مجددًا على الجنوب العربي، والآمال أضحت أكثر واقعية وعملية بإعادة الاعتبار لاسم وشكل دولة الجنوب العربي كدولة فيدرالية كاملة السيادة، دولة مدنية حضارية مستقلة، يحكمها ويعمرها أبناءها وفق مبادئ العدالة والمساواة والحرية، والقوانين الدولية، وغدًا باذن الله سترفع إعلام دولة الجنوب العربي على صارية مبنى الأمن المتحدة بجنيف بنيويورك وفي كل المحافل الدولية، وفي القمم الشامخات والجبال العوالي.










