آخر تحديث :السبت 28 مايو 2022 - الساعة:19:27:44
دراسة تحليلية اقتصادية خاصة بـصحيفتي "الأمناء" و"اليوم الثامن"..
عدن في مواجهة حرب الاقتصاد الأشد إنهاكاً وتدميراً (الحلقة الأولى)
(الأمناء نت / خاص :)

لقد شكلت الإمكانات المالية نقطة ضعف في موكب الحركة الوطنية الجنوبية - التي بدأت في العام 2006م، بمشروع التصالح والتسامح، وما تلته من امتدادات ثورية اتكأت في تمويل أنشطتها وفعالياتها على التبرعات التي تأتي من جنوبي المهجر الذين كانوا داعمين لمعظم الفعاليات والتظاهرات ومساهمين في علاج جرحى أعمال القمع التي مارستها قوى سلطة صنعاء ضد شعب الجنوب في العاصمة عدن ومدن الجنوب عسكرياً.

ولكون المال والاقتصاد يعد المحرك الرئيس لكل شيء، هذا جعل صنعاء تتفوق عسكريًا وسياسيًا ضد شعب سلبت كل حقوقه المادية والعسكرية والمهنية والأكاديمية والثقافية والمدنية ولم يبق لديه غير إصراره وعزيمته وعدالة قضيته، ولم تتوقف قوى الاستبداد العسكري والقبلي المتخلف عند هذا الحد بل إنها عملت على خلخلة أركان ثورة شعبنا المباركة بأموال العمالة المدنسة التي تدفقت إليها عبر أطراف يمنية وعربية وإقليمية في تقسيم الحراك وتفكيكه، لكنها فشلت في القضاء على جوهر القضية الوطنية الجنوبية المحمي من قبل الشعب البعيد عن "غرف التحويلات البنكية"، لذلك كان الجنوب بحاجة إلى دعائم اقتصاد وطني مستقل، حتى لا يتم تفكيك الحركة الوطنية وصولا إلى طمس ملامح هويته العربية والقضية السياسية العادلة.

لقد كانت أحداث العام 2011 - بين قوى سلطة صنعاء العسكرية والقبلية والمذهبية والإخوانية - نقطة تحول لكل الأطراف، فالجنوبيون أكدوا أن قضيتهم منفصلة عن إسقاط النظام في صنعاء.

وكذلك أطراف إقليمية عبرت عن رغبتها في منع ذهاب الجنوب نحو استعادة دولة السابقة، فمولت مؤتمر حوار وطني هدفه السياسي الالتفاف على "الأهداف الحقيقية للقضية الجنوبية"، من خلال إنتاج مشروع ما عرف بدولة الستة الأقاليم التي كان الهدف منها تقسيم الجنوب وضرب مشروعية القضية الوطنية الجنوبية في مقتل.

ولأن الجنوبيين يعانون الأمرين من جراء فصلهم من الوظائف العامة، كان لا بد من إيجاد خديعة لتطبيق مشروع ضرب مشروعية القضية الوطنية من خلال مشروع التقسيم القائم على فصل عدن عن حضرموت، فكان مشروع صندوق معالجة القضية الجنوبية قد افتتح بعد الانتهاء من مخرجات الحوار اليمني، وتم الإعلان عن جمع نحو ثلاثة مليار دولار، بهدف معالجة أوضاع الجنوبيين الذين تم تسريحهم من وظائفهم والذين يزيد عددهم عن مائة ألف موظف.

لذلك كان الهدف من جمع هذه الأموال الالتفاف على القضية الجنوبية، غير أنه من حسن الطالع أن الأموال هذه ذهبت للاستثمار بعد أن اتفق أقطاب نظام عبدربه منصور هادي على تقاسمها، وهو ما أعاد القضية إلى الواجهة مرة أخرى، وتمكن الجنوب من تحقيق نتائج عسكرية تمكن من خلالها من خلق تحالفات إقليمية، دفعته إلى أن يتصدر المشهد بقوة من خلال كيان سياسي (جامع) هو المجلس الانتقالي الجنوبي الذي كان الهدف من تأسيسه وقف التدخلات الإقليمية الهادفة إلى تمزيق الحاضنة السياسية للقضية الجنوبية، ومع ذلك ظلت الاستقطابات الإقليمية تتم وفق منهجية "مناهضة المجلس الانتقالي الجنوبي".

 

الأهمية الاقتصادية لعدن وأثرها على الاستقرار

عدن العاصمة السياسية لدولة اليمن الجنوبي السابقة، والعاصمة الاقتصادية لليمن الذي أقيم على أنقاض حرب صيف العام 1994م، بين عدن وصنعاء، ظلت منذ ثلاثة عقود في فوهة المدفع، والأسباب الظاهرة مخاوف من عودة دولة اليمن الجنوبي.

في الـ22 من مايو (أيار) العام 1990م، وقّعت في عدن اتفاقية وحدة (هشة)، دون استفتاء، وقد كانت هذه الوحدة قد سلبت عدن من صفتها كعاصمة سياسية لليمن الجنوبي، لتصبح صنعاء هي العاصمة.

في العام الأول للوحدة أعلنت مدينة عدن منطقة حرة، وعقبها بعامين صدر القانون الخاص بالمناطق الحرة في العام 1993م. وترى حكومة علي عبدالله صالح المنتصرة في الحرب أن المنطقة الحرة تكمن أهميتها الاستراتيجية من ميزة الموقع الخاص لميناء عدن الجغرافي كونه يقع مباشرة على الطريق التجاري الرئيسي حول العالم ومن الشرق الأوسط إلى أوروبا وأمريكا ويتميز بإمكانية توفير خدمات الترانزيت إلى شرق أفريقيا والبحر الأحمر وشبه القارة الهندية والخليج العربي.

وتمثل منطقة تخزين وتوزيع مناسبة لأفريقيا والبحر الأحمر والخليج العربي، وتمثل منطقة تخزين وتوزيع مناسبة لأفريقيا والبحر الأحمر والخليج.

وقبل الوحدة، كانت عدن تمثل أهم منفذ طبيعي على بحر العرب والمحيط الهندي فضلاً عن تحكّمها بطريق البحر الأحمر، وتشكل أنموذجاً متميزاً لتكامل النشاط الاقتصادي وتنوع البنيان الإنتاجي، إذ جمعت بين الأنشطة الصناعية والسمكية والتجارية والسياحية والخدمية، وتنبع أهميتها من كونها ميناءً تجاريًّا من أهم الموانئ في المنطقة، ومنطقة تجارة حرة إقليمية ودولية.

وعانت عدن من حروب شتى وتدمير ممنهج خاصة بعد انطلاق الحركة الوطنية الجنوبية السلمية الرافضة للوجود العسكري اليمني في الجنوب، وقد توعد نظام علي عبدالله صالح بتحويل عدن الى "قرية"، حتى لا يساعد ازدهار المدينة، من كان يصفهم النظام بالانفصاليين على استعادة امجاد واثر دولتهم السابقة.

ولم يمضِ على ازدهار الحركة الوطنية الجنوبية وفي العام الثاني للحراك الجنوبي 2008م، قام نظام علي عبدالله صالح بتأجير ميناء عدن لصالح شركة موانئ دبي العالمية، وقد اسماه وزير النقل حينها خالد إبراهيم الوزير (وهو سياسي يمني من صنعاء)، أن إنشاء شركة دبي وعدن لتطوير الموانئ التي سيكون مقرها العاصمة الاقتصادية والتجارية عدن.

امام محافظ عدن حينها وصف (التأجير) بالشراكة وهي الشراكة التي لم يستفد منها الميناء لأسباب تتعلق بالنظام اليمني في صنعاء الذي حاول الاستفادة من الأرباح المالية دون أي تطوير في الميناء كما كان مقررا ومعلنا من قبل محافظ عدن عدنان عمر الجفري.

وخلال ثلاثة عقود من عمر الاحتلال العسكري للجنوب، سلبت عدن من صفتها كعاصمة سياسية أو اقتصادية، وظل يطلق عليها في الإعلام مسمى مدينة عدن أو محافظة عدن.

وفي العام 2011م تعرضت عدن لأبشع عملية تدمير ممنهجة، فقد سقطت المدينة في أتون الفوضى على غرار سقوط مدن جنوبية أخرى كزنجبار أبين والحوطة في لحج، وأسقطت في أتون تنظيم القاعدة الإرهابي ناهيك عن سقوط عدن في قبضة فوضى تنظيم الإخوان الإرهابي.

 

انقلاب الحوثي على الرئيس هادي

وفي العام 2015م، انقلب الحوثيون على نظام عبدربه منصور هادي، ليفر الأخير إلى عدن، التي اقترح الإخوان على هادي إعلانها عاصمة مؤقتة، ولكن مع ذلك رفضت إدارة هادي الإخوانية التعامل مع عدن على أنها عاصمة ولو مؤقتة.

لم يستمر احتلال الحوثيين لعدن كثيراً، فقد نجحت قوات المقاومة الجنوبية مسنودة بقوات إماراتية من تحرير العاصمة بعد نحو ثلاثة أشهر من القتال، ولكن عملية التحرير وطرد الحوثيين لم تكن الحرب الأخيرة، فقد وجد الجنوبيون أنفسهم في مواجهة مع حرب أخرى، وهذه المرة باسم داعش والقاعدة وهما تنظيمان إرهابيان نفذا عمليات انتقامية ضد القوات الجنوبية وقوات التحالف العربي الإمارتية على وجه التحديد.

لم ترضَ حكومة هادي التي يهيمن عليها الإخوان اعتبار عدن عاصمة مؤقتة، فالتلفزيون الذي يحمل اسم القناة بات يبث بنسختين الأولى بإدارة تنظيم الإخوان والأخرى بإدارة الحوثيين ناهيك عن الإذاعة المغلقة والصحف الرسمية التي لم تفتح إلى اليوم.

يبرر الإخوان عدم عودة بث تلفزيون عدن من العاصمة إلى خشيتهم من أن يستحوذ عليه الجنوبيون ويعلنون البيان رقم واحد.

 

محاربة الاستثمار الجنوبي

لكن الحرب السياسية لم تقتصر على الإعلام ومحاربة السلطة التي جاءت عقب التحرير - سلطات عيدروس الزبيدي- الرئيس الحالي للمجلس الانتقالي الجنوبي، فالحروب الاقتصادية والأزمات التي واجهت عدن، كان المبرر الرئيس "غياب البنك المركزي"، وتحكم الحوثيين به، فقام هادي بإصدار قرار جمهوري بنقل البنك المركزي إلى عدن، على أمل رفع الحرب الاقتصادية عن المدينة.

لكن هذا القرار قوبل برفض من قبل سلطات الاخوان المحلية وأبرزها مأرب التي رفضت توريد الموارد إلى البنك المركزي في عدن وفضلت أن تكون مواردها لها، باستثناء عدن التي كانت مواردها تذهب لدفع مرتبات موظفين في مناطق سيطرة الحوثيين وتنظيم الإخوان خاصة في مدينة تعز اليمنية، وتعزيز بنك مأرب الذي يستحوذ على موارد ميناء الوديعة البري.

وإذا ما نظرنا إلى الحرب الاقتصادية التي تتعرض لها عدن منذ توقيع اتفاقية الوحدة الهشة في مايو (أيار) 1990م، إلا إن التدمير الذي طال عدن كان كإجراء انتقامي بعد احداث ربيع اخوان اليمن في العام 2011م، حيث تعرضت ممتلكات الدولة في عدن للسطو من قبل قوى نفوذ سياسية وتجارية، حتى إن بعض المجموعات التجارية باتت لديها مساحات شاسعة من الأراضي وكله باسم مشاريع الاستثماري (غير الموجودة).

واقتصرت مشاريع الاستثمار في عدن على رؤوس أموال "يمنية شمالية"، في حين حرم المستثمرين الجنوبيين الذين رفضت السلطات منحهم أي تصاريح للعمل، ويمكن وضع اسم "شركة بلحس للاستثمار" في الضواحي الشمالية الشرقية للعاصمة عدن، والذي اغلق بفعل ان السلطات اليمنية في صنعاء ارادت "النصف من الأرباح"، مقابل السماح له بالعمل في عدن، في حين ان هناك أراض شاسعة صرفت لنافذين موالين للنظام وابرزهم مجموعة هائل سعيد انعم، التي تمتلك ميناء خاص بها، ومجموعة علي درهم التجارية، بالإضافة الى مستثمرين أخرين (كلهم يمنيون شماليون)، في حين ان المستثمر الجنوبي ابعد الى خارج البلد منذ ما قبل الوحدة اليمنية، بفعل التجربة الاشتراكية التي أتى بها الرئيس اليمني للجنوب عبدالفتاح إسماعيل، لكن الأخير فضل الإبقاء على هائل سعيد أنعم، وكلاهما ينتميان إلى مدينة تعز اليمنية.

في العام 1993م، صدر قانون المنطقة الحرة في عدن، بهدف تحقيق مركز عالمي شامل للنقل والعمل، وجذب وخدمة مستثمرين إقليميين وعالميين، والمساهمة بقوة في ازدهار الاقتصاد الوطني"؛ لكن بعد الحرب وانتصار النظام، دمرت عدن اقتصاديا لمصلحة، حتى ان نظام علي عبدالله صالح توعد بجعل عدن "قرية"، وهو ما اتضح فعليا من خلال رفض النظام تحديث الشوارع والطرق في المدينة، ناهيك عن فتح الباب على مصراعيه لتغيير التخطيط العمراني في المدينة من خلال البناء العشوائي الذي ادلى الى تغيير نمط المدينة لما كانت عليه، وكل ذلك خشية ان لا تكون عدن مدينة استقرار تساعد على بروز أصوات ما وصفهم النظام حينها بالانفصاليين، وقد تكرر ذلك في العام 2018م، حين كرر وزير الخارجية عبدالملك المخلافي أن عدم استقرار عدن هدفه عرقلة أي مساعٍ تقود الجنوبيين نحو الانفصال، أي بمعنى أن استهداف عدن وتدمير البنية الاقتصادية هدفه عرقلة العودة إلى الدولة السابقة.

 

شارك برأيك
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص