آخر تحديث :الاثنين 19 يناير 2026 - الساعة:02:35:15
إيران .. هل ستُعاد الجمهورية الإسلامية بشكل أكثر ديمقراطية، أم ستتحول إلى ديكتاتورية إسلامية أكثر تشددًا؟
(الأمناء / العرب)

ثورة إيران ستغيّر طبيعة الجمهورية الإسلامية للأفضل أو للأسوأ

هل صراع الخلافة المحتمل في إيران مجرد مسألة تغيير شخصي، أم فرصة لإعادة ابتكار النظام أو انهياره ؟

ما تأثيرات التدخل الأميركي على وعود الإنقاذ للمعارضة الإيرانية ؟

ما السيناريو الأكثر احتمالًا للتحقق خلال الأزمة الإيرانية ؟

 

مع تصاعد الثورة الشعبية في إيران، يقف النظام الإيراني العجوز، المتصلب والمترهل، على حافة اختبار وجودي. فالمئات من القتلى بين المحتجين، وآلاف المعتقلين، لم تزل أعدادهم مذهلة، وقد تتفاقم مع استمرار المواجهات.

ومع ذلك، من المرجح أن يبقى النظام قائمًا على الأقل على المدى القصير، ولكن الهزات العميقة التي أحدثها هذا الحراك الجماهيري ستصل إلى صميم النظام نفسه، حيث ستشتد الصراعات بين النخب المتنافسة حول من سيخلف المرشد الأعلى البالغ من العمر 86 عامًا علي خامنئي، ومن خلال ذلك سيتم تحديد معنى أن تكون الجمهورية الإسلامية اليوم.

ولن يكون صراع الخلافة المحتمل مجرد مسألة تغيير شخصي، بل فرصة لإعادة ابتكار النظام أو انهياره. والسؤال الأساسي اليوم ليس ما سيحدث غدًا أو الأسبوع القادم، بل هو الاتجاه وطبيعة التغيير السياسي خلال السنوات المقبلة، بين عامين إلى أربعة أعوام.

وعلى الصعيد الدولي، يراقب البيت الأبيض ما يحدث في طهران عن كثب. وحذر الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الذي أبدى جرأة بعد التدخل الأميركي في فنزويلا، حذر قادة إيران من أنه إذا استمر النظام في قتل المحتجين السلميين، فإن الولايات المتحدة “ستأتي لإنقاذهم”.

ومع ذلك، تبدو هذه التهديدات غير فعالة في ردع طهران، لا سيما أن إيران ليست فنزويلا، والشرق الأوسط ليس أميركا اللاتينية.

وحتى العمليات الجوية المحدودة، التي قد تلجأ إليها واشنطن لإرباك النظام، قد تكون مضرة أكثر مما تنفع، إذ يمكن أن تدفع النظام ومعارضيه المتزايد غضبهم إلى مواجهة شاملة قد لا تحسم إلا بتقوية يد المتشددين.

وهنا تكمن المفارقة: أي تدخل أميركي قد يبقى بلا تأثير ملموس، وقد يجعل وعود الإنقاذ للمعارضة بلا جدوى.

وأما العامل الأكثر تقلبًا فهو إسرائيل، التي يمكن أن تغير الحسابات إذا قررت استهداف المرشد خامنئي.

وفي حال نجحت في ذلك، فإن الحرس الثوري الإيراني سيتحرك بسرعة لتعيين مرشد جديد، وسيواجه هذا الشخص مهمة عسيرة لإعادة فرض النظام على مجتمع ينهار من الداخل.

وحتى لو نجح معارضو النظام في استثمار الفراغ، فإن الاحتمالات مهيمنة لصالح التشدد واستمرار قبضة الحرس الثوري على القرار.

وبدأت الثورة الشعبية الإيرانية في 28 ديسمبر 2025، على خلفية انهيار الريال الإيراني، عندما نظم التجار في بازار طهران احتجاجات اقتصادية، لكنها سرعان ما تحولت إلى حركة شعبية تهدد شرعية النظام نفسه.

وخلال ثلاثة أيام، انتشرت الاحتجاجات إلى أكثر من 21 محافظة من أصل 31 محافظة، ورفعت شعارات الحرية ومناهضة المرشد، مظهرة أن الأزمة لم تعد اقتصادية فقط، بل سياسية وجوهرية للنظام.

واستندت الثورة إلى تراكمات من الفشل الاقتصادي، والهجمات الإسرائيلية والأميركية على المنشآت النووية في يونيو 2025، وإعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة في سبتمبر من نفس العام، ما أوقع العملة الوطنية في انهيار حاد وأغلق الكثير من المحلات التجارية التي تعتمد على الواردات.

ثورة إيران تحمل احتمالين متناقضين: إما أن تُحدث تحولًا نحو نظام أكثر انفتاحًا وديمقراطية، أو أن تُعزز قبض النظام المتشدد، محولة الجمهورية الإسلامية إلى نسخة أكثر شمولية وصلابة من نفسها.

وحاول بعض المسؤولين، مثل الرئيس مسعود بيزشكيان، تهدئة الأوضاع عبر الدعوة للحوار، لكن الرد الأمني العنيف قلل من أي أثر لهذه الدعوات، فيما أكدت تصريحات خامنئي للمتظاهرين أن النظام أمام خيارين: البقاء أو الموت، أي استخدام القوة القصوى للحفاظ على سلطته.

ومع ذلك، لا يمكن للنظام أن يطلق العنان لقواته الأمنية لقمع غير محدود، لأن الدماء الجماعية قد توحد حركة الاحتجاجات، التي رغم تنوعها العرقي والجغرافي والاجتماعي، تبحث عن رمز موحد للمعارضة، وقد يحاول رضا بهلوي، ولي العهد المعلن، القيام بهذا الدور، رغم أنه يواجه تحديات كبيرة في توحيد الصفوف المعارضة.

وعلى المدى القصير، يبدو أن النظام الإيراني سيشهد مزيدًا من العسكرة الداخلية، حيث تصبح المؤسسات التقليدية مثل الانتخابات، البرلمان، أو رئاسة الجمهورية أدوات رمزية غير فعالة، بينما تهيمن مجموعة متقلصة من النخب المهيمنة على القرار.

وفي قلب هذا المشهد، سيُفتح صراع الخلافة الذي سيعيد طرح السؤال الأساسي حول طبيعة الجمهورية الإسلامية نفسها، كما حدث بعد وفاة الخميني في 1989.

وبعد هذه الثورة، سيبقى السؤال: هل ستُعاد اختراع الجمهورية الإسلامية بشكل أكثر ديمقراطية، أم ستتحول إلى ديكتاتورية إسلامية أكثر تشددًا؟

ويمكن أن توفر الثورة فرصة لإعادة ابتكار النظام، من خلال تحالفات بين المتشددين المحافظين، الإصلاحيين القدامى، وبعض عناصر الأمن غير الراضية عن الوضع الحالي، لدعم مرشح للمرشد الأعلى يمكنه إعادة تشكيل النظام مع بعض الانفتاح السياسي. لكن السيناريو الأكثر احتمالًا هو أن يقوم المتشددون بفرض مرشد تابع تمامًا للحرس الثوري، ما سيجعل الجمهورية الإسلامية أشبه بديكتاتورية صارمة بلا منافسة.

وفي المقابل، قد يفتح صراع الخلافة الباب أمام تحول ديمقراطي حقيقي، لكنه يتطلب معارضة موحدة، زعامة وطنية قادرة على حشد الدعم، تفاوضًا مع عناصر الأمن لتجنب المعرقلين، واستعداد واشنطن لرفع العقوبات لتخفيف الأزمة الاقتصادية.

و يرى الباحث دانيال برينبرغ في تقرير نشره المعهد العربي لواشنطن دي سي أن هذه الظروف صعبة التحقيق، خاصة إذا أصرت القيادات الكردية، العربية السنية، والبلوشية على حكم ذاتي أو الانفصال، مما يضعف مركز السلطة في طهران.

وفي النهاية، ثورة إيران تحمل احتمالين متناقضين: إما أن تُحدث تحولًا نحو نظام أكثر انفتاحًا وديمقراطية، أو أن تُعزز قبض النظام المتشدد، محولة الجمهورية الإسلامية إلى نسخة أكثر شمولية وصلابة من نفسها.

وما بين هذين المسارين، تكمن قوة الشعب الإيراني وقدرته على إعادة صياغة مستقبل بلاده، في واحدة من أكثر اللحظات التاريخية حساسية منذ الثورة عام 1979


#

شارك برأيك