ما صُدرَ عن جلسة مجلس الأمن الدولي قبل أيام بشأن اليمن ليس بيان سياسي مثل معظم ما يُصدر من جلسات، ولا كانت جلسة استماع لإحاطة المندوب الأممي لليمن أو لتقرير عابر يقدمه فريق الخبراء التابع للجنة العقوبات كما درجت العادة، بل هو قرارا دوليا ملزما، مرقوما ب(2758)، يضاف لجُملة قرارات المجلس بشأن الحالة اليمنية.
فما يميزه اليوم بعد قرابة إحدى عشرة عاما من الصراع في بلد تمزقه الزوابع وتعصف به المآسٍ وما الجديد فيه ؟
– تحفظ روسيا والصين على القرار وعدم تصويتهما بالإيجاب انطلق من خشيتهما من المخططات الأمريكية والغربية المتماهية مع الرغبات الإسرائيلية في منطقة مصالح حيوية، في حال أن تم تشديد الحصار وتوسعة العقوبات بحسب ما كانت تتطلع له واشنطن قبل اقراره،وخشية تأزيم الأوضاع السياسية والعسكرية المتازمة أصلا في اليمن والبحر الاحمر،وإخراجها عن مسار دبلوماسية الحل التي ترعاها الأمم المتحدة. وهذا الموقف أي الموقف الروسي الصيني المعارض أعده بعض المراقبين أقرب للموقف الإيراني بشأن اليمن.
– القرار بالاضافه الى تشديده على مراعاة حل الحالة الإنسانية المروعة التي يعيشها اليمن وضرورة معالجتها فإنه رفض المطالب الأمريكية بتشديد الحصار وتغيير آلية مراقبة دخول البضائع ومنع تهريب الأسلحة .
-أكد القرار إن الحل العسكري في اليمن لم يعد ممكنا ولا مقبولا وان التوجه صوب تسوية سياسية هو المطلوب والمتاح أمام الفرقاء.فالحل السياسي بحسب أحد بنود القرار يجب ان يرتكز على المبادرة الخليجية (التي صاغتها المملكة العربية السعودية غداة الثورة الشعبية التي أطاحت بنظام الرئيس السابق صالح ونصت على تقاسم السلطة بين حزبه وأحزاب المعارضة حينها والانتقال السلمي للسلطة)، وعلى مخرجات الحوار الوطني اليمني( الذي عقد في العاصمة صنعاء نهاية ٢٠١١م ونص على يمن فيدرالي من ستة أقاليم)، ولكن تلك المخرجات اعترض عليها الجنوبيون والحزب الاشتراكي وحركة أنصار الله “الحوثيين ” وتفجرت بسببها الحرب مطلع ٢٠١٥م ولم تر النور من حينها.
– فبالتمعن في البند الأخير سالف الذِكر يكتشف بسهولة مسحة سعودية واضحة عليه، فتأكيد القرار على أن يكون الحل سلميا لا عسكريا هو رغبة سعودية بامتياز قبل أن تكون رغبة معظم القوى اليمنية التي انهكها الصراع وصار (معظمها) يتوق للسلام، فالمملكة- بعكس الولايات المتحدة وإسرائيل – تتطلع لطيِّ صفحة الصراع باليمن لتتفرغ (المملكة ) بالتالي لشانها الداخلي ومشاريعها وخططها الاقتصادية والثقافية والتنموية الطموحة وتخرج من توريطة سياسية وعسكرية واقتصادية، فضلًا عن أخلاقية تجاوز عمرها أكثر من عقد من الزمان لطالما أرقتها كثيرا. كما ان تأكيد القرار على ان يكون الحل مبنيا على المبادرة الخليجية ومخرجات حوار صنعاء كمرجعيات للحل هي مطالب سعودية ومطالب الأحزاب المنضوية تحت مظلة التحالف العربي” السعودية -الإمارات ” باستثناء الطرف الجنوبي مُمثلًا بالمجلس الانتقالي الجنوبي المتطلع لاستعادة دولة اليمن الجنوبية السابقة ، الذي يرى في إن أي حل للأزمة اليمنية وللقضية الجنوبية يُبنى على مرجعيات عفا عليها الزمن وتخطتها السنوات هو مؤامرة صريحة تستهدفه، وتنال من القضية الجنوبية وتضحياتها الكبيرة، و تجاهلا متعمدا من الاقليم والمجتمع الدولي لواقع الخارطة السياسية التي افضت اليها الاحداث خلال العشر السنوات الماضية يستعصى تجاوزها.
فالمجلس الانتقالي الجنوبي الذي رفض قرار مجلس الأمن الدولي المشار إليه بعاليه، ويشعر أن حلفائه المحليين والتحالف العربي وبالذات السعودية قد قلبوا بوجهه ظهر المجن وتنكروا لدوره وتنازلاته ولشراكته الحكومية المثيرة للجدل مع الشارع في عدن، شراكته مع قوى وأحزاب دولة يقول انه يناضل للاستقلال عنها، يتوجس اليوم خيفة ليس من قرارات مجلس الأمن- فهو يعرف ان هكذا قرارات أممية بشان الحالة اليمنية صدرت منذ اليوم الاول للحرب تصاغ وفقا لرغبة سعودية محضة- بل يخشى من السطوة السعودية الطاغية التي قد تفرض حلولا وتسوية تتصادم مع معه (المجلس الجنوبي) وتأتي بالتالي على جوهر القضية الجنوبية.
فتاكيد مجلس الأمن الأخير عن أن التسوية يجب أن تكون وفقا للمرجعيات المذكورة تمثل رسالة سعودية صريحة صادقة للانتقالي الجنوبي ،مضمونها أن الحل يجب ان يضمن تسوية دائمة تضمن وحدة اليمن واستقراره،فضلًا عن ضمان مصالح وأمن السعودية ومعها باقي دول الخليج وأبرزها دولة الإمارات،وقبلهم جميعا المصالح الغربية في اليمن والمنطقة حتى وان كانت تسوية تتم على حساب شريك فاعل ومخلص كالمجلس الانتقالي الجنوبي وعلى حساب البندقية الجنوبية التي اقالت الرياض من عثرة وهزيمة عسكرية ماحقة أمام الحركة الحوثية العنيدة.
صحافي من اليمن










