"المصالحة مع الروم .. بين نبوءة الإسلام وتحولات العصر"
الامناء نت/خاص:

بقلم : د. علي صالح الربيزي

في عالم يموج بالتحولات الجيوسياسية، يظل التاريخ والموروث الديني مرآة نستشرف من خلالها ملامح المستقبل. من بين النبوءات التي تحمل دلالات عميقة، يبرز الحديث النبوي عن مصالحة بين المسلمين والروم، في صورة تستوقف الباحثين والمفكرين لاستقراء الواقع من خلال عدسة الإسلام.

يروي الإمام أحمد في مسنده عن النبي محمد ﷺ قوله: "ستصالحون الروم صلحًا آمنًا، فتغزون أنتم وهم عدوًا من ورائهم، فتسلمون وتغنمون، ثم تنزلون بمرج ذي تلول، فيقوم رجل من الروم فيرفع الصليب، ويقول: غلب الصليب! فيقوم إليه رجل من المسلمين فيقتله، فيغدر القوم، وتكون الملاحم".

هذه الرواية تفتح بابًا واسعًا لفهم طبيعة العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب، الذين باتوا شركاء في تحالفات سياسية وعسكرية ضد تهديدات مشتركة، من الإرهاب إلى الأزمات الاقتصادية والصحية. فهل نحن نشهد ملامح هذا "الصلح الآمن" اليوم؟

لطالما شدد الإسلام على أن السلام هو الأصل، والحرب ليست إلا استثناء يُفرض لرد العدوان أو نصرة المستضعفين. الحديث النبوي يشير إلى مرحلة صلح وتعاون بين المسلمين والروم، وهو ما يمكن إسقاطه على عصرنا الحالي، حيث تتشابك المصالح وتتعزز أطر التعاون بين الدول الإسلامية والغرب في مجالات الاقتصاد، والتكنولوجيا، والأمن.

لكن الواقع لا يخلو من التحديات، فالتوترات السياسية والمواقف المتباينة أحيانًا تعكس هشاشة بعض التحالفات، وتكشف مدى التفاوت بين شعارات السلام والتعايش، وبين سياسات الهيمنة التي لا تزال تفرض نفسها في كثير من الملفات الدولية.

العدو المشترك .. هل يتوحد الشرق والغرب ضده؟
يركز الحديث على "عدو من ورائهم"، وهو ما يمكن تفسيره في سياقات العصر على تهديدات عالمية مثل الإرهاب العابر للحدود، والتغير المناخي، والأوبئة، وأزمات الطاقة والغذاء. هذه التحديات تتطلب شراكة حقيقية بين العالم الإسلامي والغرب لمواجهتها.

لكن اللافت في الحديث هو التحذير من الغدر بعد هذا التحالف، وهو ما يتجلى في واقعنا المعاصر، حيث تغلب المصالح الضيقة على المبادئ، وتتحول التحالفات إلى صراعات جديدة بمجرد تغير المعادلات الدولية.

رفع الصليب .. الصراع الفكري قبل العسكري
مشهد رفع الصليب في الحديث يُمكن تأويله على أنه أكثر من مجرد مواجهة عسكرية، بل هو صراع حضاري وفكري. فالعالم الإسلامي اليوم لا يواجه فقط التحديات السياسية والاقتصادية، بل يخوض أيضًا معركة ثقافية وهوياتية أمام موجات التغريب التي تسعى لطمس خصوصيته الفكرية والدينية.

ومع ذلك، فإن التفاعل مع الحضارات الأخرى ليس سلبًا في حد ذاته، بل قد يكون مصدر قوة إذا تم وفق رؤية متوازنة تحفظ الهوية الإسلامية، دون انغلاق أو ذوبان في الآخر.

بين النبوءة والواقع .. أين نتجه؟
النبوءات الإسلامية لا تقدم سيناريوهات حتمية، بقدر ما تمنح الأمة الإسلامية بوصلة لفهم الأحداث واستشراف مآلاتها. في ضوء ذلك، تظل المصالحة مع الروم—بما تعنيه من شراكات وتحالفات—فرصة لبناء مستقبل يسوده التعاون والسلام، شريطة أن يُبنى على العدل لا على الاستغلال والغدر.

في النهاية، يظل المستقبل بيد الله، والمطلوب من المسلمين اليوم هو الوعي بحقائق الواقع، والعمل على تحقيق نهضة فكرية وحضارية تعيد للأمة دورها الفاعل، دون أن تنخدع بشعارات زائفة أو تنحرف عن مبادئها الأصيلة.

متعلقات
في ذكرى رحيل أستاذنا الكبير محمد الفقيه
عاجل : غارات جوية تستهدف مواقع حوثية في محافظتي إب وتعز "المواقع المستهدفة"
برشلونة إلى نهائي كأس الملك.. وكلاسيكو آخر مرتقب
غارات أمريكية مركزة.. قواعد وأنفاق الحوثي في مرمى الضربات
بتوقيت حضرموت