2025-11-09 19:53:04
جرحى الجنوب والشهيد سلطان الكتبي.. قصة وفاء على مدرج مطار عدن

"حين صنع الوفاء جناحين.. الكتبي ينقذ مئة جريح جنوبي من الانتظار إلى الحياة"

"على مدرج المطار.. بدأت حكاية إنسانية جمعت فارس الجريح والقائد الشهيد"

"بين دماء الجرحى ووعود الكتبي.. رحلة كرامة لا تُنسى من عدن إلى السودان"

المفاتيح بيدي.. ولن نسلمها إلا لقائد إماراتي" — قرار غيّر مسار الأحداث

"حين يصبح الألم بطاقة عبور.. رحلة الجرحى من انتظار الموت إلى الأمل"

"رحلة على مدرج النار.. بدأت بالاعتصام وانتهت بالعناق"

 

كانت لي صورة "سيلفي" بجرم علاقي وأنا بلا غسلة لثلاثة أيام متتالية ،التقطتها لنفسي وأنا على متن طائرة اليمنية قبل الإقلاع إلى جمهورية السودان، والتي بقيت تفاصيلها محفورة في ذاكرتي، إلا أن القصة خلفها لا تزال حية.

في تلك الصورة، كنت بملابسي المتسخة "جرم علاقي" ولم أغتسل لثلاثة أيام، وكنت برفقة رفاق دربي من أبطال الجنوب الجرحى في رحلتنا للعلاج. تلك الصورة فُقدت عندما تعطل هاتفي، لكن ذكراها لم تغب.

تعود أحداث هذه القصة إلى الفترة التي أعقبت تحرير مدينتي عدن ولحج ودحر الحوثيين منهما في أواخر عام 2015.

في ذلك الوقت، صدر قرار بإجلاء الجرحى لتلقي العلاج في الخارج. انطلقت أولى الرحلات إلى الأردن، وقبلها إجلاء عسكري للجرحى إلى دولة الإمارات وتبعها رحلة أخرى إلى جمهورية السودان،  استجابة لدعوة كريمة من الرئيس السوداني عُمر البشير وبإشراف الهلال الأحمر السوداني الذي تكفل بعلاج خمسين جريحًا كدفعة أولى.

كان من المقرر أن أسافر ضمن الدفعة الثانية المتجهة إلى الأردن مع مئات الجرحى الآخرين. توجهنا جميعًا إلى مطار عدن، حيث أمضينا اليوم الأول في انتظار رحلة لم تأتِ أبدًا. عدنا إلى بيوتنا بعد تلقي وعود كاذبة من وزارة الصحة، لكننا اتفقنا على أن تبقى مجموعة منا في المطار لمتابعة أي تطورات، خوفًا من أن تقلع طائرة فجأة وتُقلّ على متنها من لا يستحق السفر.

كنت حينها في منزل جدي بمديرية دار سعد، التي نزحنا إليها من لحج، عندما تلقيت اتصالًا مفاجئًا: "فارس، الطائرة وصلت، تعالوا بسرعة!". للمرة الثانية، ودّعت أمي وأخواني وانطلقت مسرعًا إلى المطار.

عند وصولنا، بقينا ننتظر خارج صالة المطار، لنتفاجأ بمشهد صادم؛ حيث كان يتم إدخال أشخاص ليسوا من الجرحى، بل من أبناء المسؤولين والشخصيات الكبيرة، عبر الأبواب الخلفية للمطار، بينما تُركنا نحن، أصحاب الحق، في الخارج.

أشعل هذا المشهد غضبنا جميعًا، فاندفعنا نحو البوابات الرئيسية واقتحمنا الصالة المطلة على مدرج المطار. كان عددنا يتجاوز أربعمئة شخص بين جريح ومرافق. قضينا يومًا كاملًا، أربعًا وعشرين ساعة، في انتظار الطائرة الموعودة التي لم تصل.

وفي اليوم التالي، هبطت طائرة جديدة، فاستبشرنا خيرًا. حضر مندوبو وزارة الصحة وبدأوا بتنظيمنا حسب خطورة الإصابات، وتم إجلاء مجموعة منا بالفعل، بينما بقينا نحن، حوالي مئة ،مئة وقليل جريح ومرافق، ننتظر دورنا.

لكن مع غروب الشمس، جاء أحد المندوبين وقال بلهجة عامية محبطة: "مافيش طيارة اليوم ولا بكرة ولا بعده، روحوا، ولكل حادث حديث."

صرخنا في وجهه مؤكدين رفضنا المغادرة، وأعلنا أننا لن نبرح مكاننا حتى تأتي طائرة تقلنا إلى الأردن أو السودان. حاولوا الضغط علينا عبر إطفاء أنوار الصالة، لكننا صممنا على الاعتصام بداخلها. حينها، اقترحت على رفاقي أن ننتقل باعتصامنا إلى مدرج المطار ليكون احتجاجنا أكثر تأثيرًا، فوافق الجميع على الفور، وحطمنا الباب الزجاجي الذي يفصل بين صالة الانتظار والمدرج وانتقلنا إلى هناك.

بعد فترة وجيزة، جاء أحد المسؤولين ليخبرنا أن طائرة ستقلنا إلى السودان خلال ساعتين، لكنه طلب منا إخلاء المدرج لأن طائرة أخرى تحمل أموال البنك المركزي ستهبط قريبًا. أجبناه بحزم: "لن تهبط أي طائرة هنا قبل أن تصل طائرتنا". وبينما كان المسؤول منشغلًا، لفتت انتباهي عربات السلالم المتحركة المركونة في المدرج، فوجدت مفاتيح تشغيلها موضوعة فوقها. أشرت لرفاقي بأنني سأنقلها إلى داخل الصالة وأحتفظ بالمفاتيح كورقة ضغط حتى تأتي طائرتنا. وبالفعل، صعدت إلى إحدى العربات وشغلتها وأدخلتها إلى الصالة، ثم كررت الأمر مع عربة أخرى، وأخفينا المفاتيح.

أثار تصرفنا هذا غضب مسؤولي المطار، فجاء العشرات منهم يطالبوننا بتسليم المفاتيح. كان ردنا واضحًا: "لن نسلمها إلا بعد وصول طائرتنا، أو بحضور قائد إماراتي يضمن لنا ذلك"، حيث كانت قوات الواجب الإماراتية بقيادة الشهيد العقيد سلطان الكتبي متواجدة في المطار لتأمين مهام أمنية ولوجستية.

وبالفعل، استجاب لطلبنا العقيد سلطان محمد الكتبي، الذي حضر إلينا وجلس معنا جلسة أخوية ملؤها الاحترام والهدوء، وقال: "أنا ألتزم لكم بأن تأتي طائرة وتنقلكم إلى الخارج، فقط سلموني المفاتيح واوعدوني بعدم التصعيد". أشار زملائي إليّ قائلين: "هذا فارس، المفاتيح معه، وهو من قاد العربات إلى الصالة". سلمت المفاتيح للعقيد سلطان، الذي ابتسم وقال لي: "أنت خطير يا فارس"

 كان يرافق العقيد سلطان شاب إماراتي خلوق، أخذني جانبًا وطمأنني قائلًا: "اطمئن يا فارس، وطمّن أصحابك، وسأكون أول من يصافحك على متن الطائرة عند استعدادكم للمغادرة".

وقد صدق الشهيد الإماراتي سلطان الكتبي في وعده، حيث وفر لنا طائرة نقلتنا إلى السودان على دفعتين متتاليتين. لن أنسى أبدًا ذلك اليوم الذي صعد فيه الإخوة الإماراتيون إلى الطائرة وهم ينادون: "أين فارس؟ نريد أن نسلّم عليه!". كنت في تلك اللحظة تمامًا كما بدوت في تلك الصورة المفقودة... بملابسي المتسخة التي لم أغسلها لثلاثة أيام، ولكن بفخر لا يمكن أن يُمحى أبدًا من الذاكرة.

http://alomana.net/details.php?id=252856