بمناسبة الاحتفالات بالذكرى الـ45 لتأسيس جيش الجنوب , ونتيجة للمؤامرة الدنيئة التي تعرض لها هذا الجيش الجنوبي العظيم في عام 1994م من قبل نظام الاحتلال اليمني وبعض الأطراف الإقليمية والدولية ، نتوجه بالإجلال والإكبار والترحم على أرواح شهداء القوات المسلحة الجنوبية الباسلة الذين قدموا أرواحهم رخيصة من أجل الدفاع عن سيادة الجنوب ، واللذين شكلوا قافلة طويلة منذ الاستقلال في عام 67م وحتى يومنا هذا . كما نتقدم بالشكر والعرفان للقادة والضباط والأفراد الذين أفنوا شبابهم في الجبال والصحاري والجزر في طول وعرض الجنوب لتأسيس وبناء الجيش الجنوبي الذي حافظ على كرامة شعبه ورفع من هيبة الدولة الجنوبية على المستويين الإقليمي والدولي..
وبعد تحقيق استقلال الجنوب عن بريطانيا وتنفيذا لأهداف ثورة 14 أكتوبر تم تجميع الكتائب والألوية التي كانت موجودة قبل الاستقلال وأهمها الجيش الاتحادي التابع للاستعمار البريطاني وجيش الثورة (الجبهة القومية والتحرير) وجيش بادية حضرموت ،في جيش واحد ، وبالرغم من أنه تم إلحاق الجيش إداريا إلى وزارة الدفاع تحت قيادة المناضل / علي سالم البيض الذي شغل أول وزير دفاع في أول حكومة لجمهورية اليمن الجنوبية الشعبية إلا أن الخلافات بقيت داخل الجيش بسبب التوجهات المختلفة لقياداته ، والتي أذكت الصراعات داخل صفوفه ليشهد سلسلة من الصراعات المسلحة ، منها حركة 20 مارس 1968م ، و 14 مايو 1968 م ، وحركة 27 يوليو 68 م التي انتهت بسيطرة جيش الثورة التابع للجبهة القومية ، فيما عُرف بحركة 22 يونيو/1969 م التي نقلت الجيش إلى مرحلة جديدة من التوسيع والتطوير والبناء بعد توقيع معاهدات التعاون والصداقة بين اليمن الجنوبي والاتحاد السوفييتي .
الدور الوطني والإقليمي للجيش الجنوبي
وواجه الجيش الجنوبي في طور تأسيسه صعوبات جمة في ترسيخ الأمن والدفاع عن سيادة الدولة نتيجة لشحة الإمكانيات والحصار الخارجي المفروض على الدولة الفتية - جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية - وخاض الجيش الجنوبي العديد من المواجهات العسكرية في البلق ، ومكيراس ، والضالع ، وكرش ، وثمود ، وحوف ، والعبر.. وتجاوز كل الظروف الصعبة التي أحاطت به في تلك الفترة .
وللجيش الجنوبي منجزات لا حصر لها تصب جميعها في بناء دولة الجنوب وحمايتها . فعلى المستوى الوطني لم يعتلِ الجيش الجنوبي قمم الجبال المطلة على المدن الرئيسية ويحفر المتارس والخنادق للسيطرة عليها وقمع أهلها كما هو حاصل الآن مع نظام الاحتلال اليمني , بل إن الجيش الجنوبي كان يرابط على حدود الدولة لحفظ السيادة الوطنية ، وتصدى لحروب عديدة من دول الجوار ، ولم يسمح باحتلال شبر واحد من أرض الجنوب سواء على الحدود الشرقية أو الشمالية الشرقية أو الشمالية , ولم يعتدِ على أحد ، بل كان مدافعا عن سيادته الوطنية .
وعلى الصعيد الإقليمي كان الجيش الجنوبي يُحسَب له ألف حساب على مستوى الجزيرة العربية لكونه اكتسب تجربة غنية وحصل على التأهيل والتدريب والدعم من مدرستين عالميتين هما المدرسة البريطانية والمدرسة السوفييتية . ولذلك تعدى الجيش الجنوبي دوره الوطني حتى أصبح يلعب دوراً إقليمياً , حيث شارك في قوات حفظ سلام , وخاض معارك في بلدان عديدة منها لبنان ، وإثيوبيا ، وإريتريا ، والصومال , وساعد هذا الدور أيضا في رفع هيبة ومكانة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية على المستويين الإقليمي والدولي .
أخلاقيات الجيش الجنوبي
إن المتابع لمراحل تطور الجيش الجنوبي والانتصارات التي حققها والإرث الثقافي الذي خلفه سيجد أن الجيش انتصر أخلاقيا قبل أن ينتصر عسكريا وسياسيا, وفي هذا السياق رأينا كيف كان يتعامل بأخلاق عالية مع الأسرى في الحروب ، والدليل ما حدث مع الطيار الإيراني "جلالي" الذي أُسقطت طائرته وتم أسره في الحرب مع عمان, كذلك رأينا كيف كان يحتكم جميع أفراد الجيش ومنتسبيه للنظام والقانون والعمل المؤسسي ، فلم يجد استبداد أو تملك داخل الجيش الجنوبي . فعند مخاطبة الرئيس للمرؤوس تستخدم عبارة "يا رفيق القائد" دلالة على الندية والأخوة والمساواة التي استمد مضمونها من ديننا الإسلامي الحنيف , والتي تعبر عن احتكام الجميع للنظام ، فترى القائد يعيش سوية مع أفراده ويحمل همهم في المعسكرات والحاميات المنتشرة على حدود الدولة , وقد حُدّد يوم من كل أسبوع للعمل السياسي يستطيع الجندي إن يُعبر عن كل مشاكله وهمومه وأن ينتقد قادته عن أي تقصيرات في أداء واجباتهم . ولهذا السبب وجدت العلاقة الحميمة والروابط المتينة بين القائد وجنوده في الجيش الجنوبي سابقا وتشكل وعي جمعي أساسه حب الوطن وتغليب مصالح الشعب على المصالح الشخصية .
الجيش الجنوبي هو جيش متميز على مستوى الوطن العربي كان يحتكم لسلطة مدنية حقيقية بنظام جمهوري على عكس ما هو حاصل في بعض الأنظمة العربية التي تدعي المدنية في حين أن جوهر الحكم هو عسكري , ويضع ضمن خططه برامج لمحو الأمية وبرامج تثقيفية إلزامية للضباط والجنود حققت نجاحات كبيرة في رفع مستوى الوعي الثقافي للجندي الجنوبي ، كما وضعت برامج تأهيل مستمرة في كل التخصصات العسكرية النوعية ، ومنها تأهيل القيادات في الأكاديميات العسكرية العليا في الدول المتقدمة ، ولهذا استطاع الجيش الجنوبي أن يمتلك طيارين هم من أفضل الطيارين على مستوى الوطن العربي ، كذلك امتلك العديد من الكفاءات والكوادر في مختلف التخصصات وأهمها أنظمة الدفاع الجوي والقوى البحرية.
لقد وُجِدَ الجيش الجنوبي لخدمة الشعب وليس لقمع الشعب ، فأخذ على عاتقه مسؤولية تدريس الفقراء من الشعب ، وفتح لهم مدارس البدو الرحل لتتكفل كليا بالطالب ..بقوته ، وكسائه ، وسكنه ، وتعليمه.. ومن أبرزها مدرستي "النجمة الحمراء" و"الزحف الأحمر" ، حيث تخرج الكثير من الكوادر من تلك المدارس ووصل بعضهم إلى مرتبة قائد لواء ، كما كان لنظام الخدمة العسكرية الإلزامية فوائد كثيرة في بناء شخصية الشباب وتكوين لديهم عقل جمعي للتفكير بمستقبلهم والدفاع عن وطنهم . من جانب آخر وفي بادرة وطنية لتخفيف الأعباء على الدولة ، تطور الجيش الجنوبي نسبيا من مؤسسة استهلاكية إلى مؤسسة استهلاكية – إنتاجية ، وفي هذا السياق كان للجيش الجنوبي مساهمات في المبادرات الجماهيرية وفي بناء المدارس وشق الطرقات واستصلاح الأراضي ، بل وأصبح يمتلك الكوادر والإمكانيات المادية لتقديم الخدمات الطبية والتعليمية والثقافية والهندسية للشعب .
المؤامرات التي تعرض لها الجيش الجنوبي
كان جيش الجنوب في عداد الجيوش التي يحسب لها حسابها في المنطقة ، ويعتبر في نظر الخبراء أحد أقواها بسبب تركيبه الخاص ، وطرق التدريب الصارمة التي أشرف عليها خبراء سوفيات ، وكذلك العلاقة الخاصة بين موسكو وعدن . إلا أنه تعرض لضربتين أساسيتين . الأولى في أحداث عام 1986م عندما استنزف النزاع الداخلي جزءاً أساسياً منه ، وترتب على ذلك فرار أعداد كبيرة تقدر بالآلاف من قيادته وكوادره وأفراده إلى الشمال اليمني ، في حين قٌتل العديد من أفراده وضباطه وقياداته التاريخية المجربة والشجاعة والتي كانت قيادة فعلية لجيش تحرير الجنوب من الاستعمار البريطاني . أما الضربة الثانية : فقد جاءت مع فخ الوحدة الذي أجهز على ما تبقى من الجيش الجنوبي في سلسلة من المؤامرات الغادرة ابتدأت بنقل الألوية المحترفة داخل هذا الجيش إلى مناطق قبلية متباعدة في الشمال ، وخصوصا اللواء الثالث ، ولواء باصهيب لسهولة ضربها. وفعلا وقعت هذه الألوية في فك كماشة الوحدة ، في حين أن القوات التي ظلت في الجنوب ، لم تكن في وضع أفضل ، لقد تعرضت هي الأخرى للنسيان والإهمال. وفي هذا السياق يمكننا القول أن اللجنة العسكرية الجنوبية المكلفة في دراسة نشر الألوية العسكرية الجنوبية في الشمال والشمالية في الجنوب وبالرغم من مهنيتها وتجربتها إلا أنها لم تضع لنفسها خطوط رجعة نتيجة لحسن نيتها ورغبتها الجموحة في الوحدة ، وبهذا فهي وقعت في خطأ قاتل عندما وافقت على تلك الخطة الانتحارية التي ساعدت على تشتيت الجيش الجنوبي وتدميره . ومن المؤامرات أيضا إيقاف التجنيد الإجباري الذي كان ركيزة أساسية للجيش الرسمي الجنوبي ويشكل نسبة كبيرة من قوام أفراده على العكس من الجيش الشمالي الذي لا يعتمد كثيرا على المجندين. كذلك اتبع النظام طريقة خبيثة في إفساد القيادات العسكرية الجنوبية واختراق البعض وذلك من خلال مركزة المال بيد القادة ومنحهم تسهيلات وإغراءات غير متعودين عليها ، حيث رفعت عليهم الرقابة التي كانت مفروضة قبل قيام الوحدة مع إهمال متعمد للأفراد ، الأمر الذي أضعف الثقة بين القادة والأفراد وانعكس سلبا في ضعف القدرة الدفاعية للجيش الجنوبي.
وتأتي حرب استباحة الجنوب في عام 1994م كتحصيل حاصل , والتي أصابت الجيش الجنوبي في مقتل ، والتي خُطط لها بعناية من قبل نظام الاحتلال اليمني . وكان الهدف الأول منها هو تدمير الجيش الجنوبي ليفتح الباب للسيطرة الكلية على كل مقدرات الجنوب.
لقد تبين مما سبق أنه تم تدمير الجيش الجنوبي باستهداف مسبق وعناية تامة, الذي كان جيش حديثاً ومدرباً يمكن الاستفادة منه في حماية الشمال والجنوب على حد سواء برا وبحرا وجوا , ليبني على أنقاضه جيوشاً تحت مسميات مختلفة ليس مهمتها الدفاع عن الوطن بل الدفاع عن مصالح عائلية وقبلية .
إن رجال الجيش الأشاوس من المتقاعدين العسكريين ومن وقف إلى جانبهم من القوى السياسية بعد أن استوعبوا الدرس وأحسوا بخطورة المؤامرة فكروا بعقد ملتقيات التصالح والتسامح الذي دشن في يوم 13يناير 2006م في جمعية ردفان الخيرية ثم تقدموا الصفوف وكانوا في طليعة الثورة الشعبية السلمية التحررية التي انطلقت في 2007 م والذي حاول الاحتلال الأول من الالتفاف عليها وإخمادها بعدة أساليب رخيصة منها الإغراءات المادية, إلا أن هذه الخطوة باءت بالفشل الذريع ,وتم رفض الإغراءات والعودة الفردية إلى الجيش اليمني إلا بشرط واحد وهو عودة جماعية لكل جيش جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية. وهذا كان موقف واعي وحكيم وشجاع من قبل المتقاعدين العسكريين ، فوت الفرصة على النظام الذي كان يحس بخطورة هذه الحركة ، وحاول فصلها عن الشعب وحصرها في مطالب حقوقية خاصة بها لتسهيل عملية القضاء عليها. ومن هنا يبدأ تاريخ الحركة التحررية السلمية الجنوبية التي كانت رمزيتها المتقاعدين العسكريين وبقية رموز الجيش الجنوبي العظيم , والتي شكلت محطة تحول ونقطة مضيئة في تاريخ الثورة الجنوبية التحررية. لكن مؤامرات الاحتلال لم تنتهِ بعد فكان آخرها إعادة إنتاج الاحتلال مرة أخرى في عام 2015م بحرب أكثر بشاعة ودموية من قبل الحلف الحوفاشي ذات المشروع الطائفي – المذهبي البغيض .
نواة الجيش الجنوبي القادم
يُعَد الجيش من أهم منظومات الدولة والركيزة الأساسية لها والتي تسهم مساهمة فعالة في بنائها وحمايتها بعد قيامها . وفي هذا السياق ينبغي تفعيل نشاط الجيش الجنوبي السابق وفق آليات مناسبة وتنظيم نفسه حسب التخصصات المهنية ونقل خبرات ومهارات منتسبيه العسكرية والسياسية المكتسبة إلى الشباب الآن وليس غدا , وهذا يصب في مساعدة ومؤازرة السلطات المحلية المنتسبة للحراك والمقاومة الجنوبية في كل المحافظات المحررة في بناء قوة تنظيمية احتياطية ذو أبعاد حقوقية وسياسية وعسكرية تكون جاهزة لتنفيذ أي مهام مطلوبة منها حاضرا ومستقبلا , بحيث تكون موازية ومكملة لجهود قوى التحالف العربي والجيش النظامي الرسمي بما يتوافق مع نصرة شعب الجنوب وقضيته العادلة , ويحفظ الأمن والاستقرار للمواطنين.
وعلى الجميع أن يستلهموا الدروس والعبر من الملاحم البطولية التي حققتها المقاومة الجنوبية في تحرير الضالع وعدن ولحج وأبين وحضرموت من طرد جحافل المليشيات الحو فاشية والعناصر الإرهابية. إن تلك الملاحم أدارتها قيادات عسكرية مرموقة من الجيش الجنوبي السابق ،استشهد بعضها وجرح البعض الآخر. إن دحر مليشيات الحوثي وصالح القادمة من الشمال وكسر شوكة الإرهاب في الجنوب قد أظهر الجنوب كشريك دولي في مكافحة الإرهاب الذي تفوق على دول كبيرة وعميقة تملك العدة والعتاد. وبالرغم من ذلك فلا زالت فصول المؤامرة مستمرة ، فكلما أظهرت هذه القيادات العسكرية الجنوبية مهارات عسكرية تمكنها من تحرير مديرية أو منطقة وحمايتها من خطر الإرهاب ، زاد استهدافها بالقتل والتصفية الجسدية كما حدث مع القادة عيدروس الزبيدي وشلال علي شائع وعادل الحالمي .... الخ .وقبلهما الشهيدين / سالم قطن وعمر بارشيد ومحاولات الاغتيال المتكررة للواءين محمود الصبيحي وفيصل رجب ناهيك عن قتل الطيارين وطابور طويل من القيادات العسكرية الأمنية التي لم تشفع لها حتى مواقفها المساندة للشرعية اليمنية .
ولم تنجح المؤامرة التي استهدفت جيش الجنوب, وإن استطاعوا تدمير المؤسسة العسكرية وعتادها وإمكانياتها المادية الهائلة وقتلوا الآلاف من قياداتها وأفرادها ولكنهم لم يستطيعوا إبادة الجيش وقتل الإنسانية والعزة والكرامة ، ولم يقدروا على قتل الروح النضالية والمهارات والخبرات والمؤهلات التي تجذرت في عقول وقلوب كل الكوادر التي تربت وترعرعت وتأهلت في هذه المؤسسة الوطنية العظيمة ، ولم يستطيعوا محو التاريخ الناصع لهذا الجيش من عقول منتسبيه ، فالجيش الجنوبي ركز على بناء الإنسان أكثر من بناء الأشياء المادية ، لأن نيته صادقة وأهدافه نبيلة تخدم في الأخير الوطن والشعب وليس لخدمة أشخاص أو أحزاب أو أي مراكز قوى أخرى.
ولذلك يمكننا القول : إن الجيش الجنوبي باقي ببقاء رجاله وبقاء العقول النيرة فيه ، التي بمقدورها نقل خبراته الناجعة من خلال تكاتف جهود منتسبيه مع جميع القوى التحررية الجنوبية نحو تحقيق الهدف المنشود للشعب الجنوبي بالسيادة على أرضه واسترجاع دولته المستقلة . ولكن لا أعتقد أن يتم ذلك إلا بالتقدم التنظيمي للثورة الجنوبية التحررية ووحدة جميع مكوناتها والذي يأتي في المقام الأول تصحيح وضع المقاومة الجنوبية نفسها من خلال توحيد فصائلها استلهاما بتجربة للتوحيد الناجح لفصائل الجيش الجنوبي المذكور سابقا, واستكمال بنيتها العسكرية والتنظيمية كنواة للجيش الجنوبي المنشود , فضلا عن تنظيم وبناء الحامل السياسي الجنوبي وتوحيد مكوناته بأي شكل كان, اندماجي أو جبهوي أو تنسيقي بما يستوعب معظم الشرائح الاجتماعية والسياسية المؤيدة له وبما يغلب العمل المؤسسي على العمل الفردي على طريق توفير الأرضية المناسبة لتمكين هذا الحامل من فرض السيطرة السياسية والأمنية على كل الأرض الجنوبية .